سامر شقير: الأسواق تشتري “فترة سماح” لا أمانًا حقيقيًا
أكد رائد الاستثمار سامر شقير، أنه عندما يهبط “مؤشر الخوف” إلى ما دون مستوى 18 نقطة، في الوقت الذي تتصاعد فيه الرسوم الجمركية لتصل إلى 15% أو أكثر على بعض الدول، فإن الرسالة الحقيقية للأسواق لا تتعلق بالاطمئنان، بل بما يمكن وصفه بـ“شراء فترة سماح”. السوق في هذه الحالة لا يسعّر أمانًا مستدامًا، بل يراهن على أن العاصفة لن تضرب فورًا.
ارتدادات الأسواق العالمية
وفي جلسة الأربعاء 25 فبراير 2026، ارتدت الأسواق العالمية بقوة لليوم الثاني على التوالي، مدفوعة بزخم قطاع التكنولوجيا، وعلى رأسه شركة NVIDIA التي تحولت نتائجها إلى محفّز نفسي ومالي في آنٍ معًا. المؤشرات الأمريكية الرئيسية، مثل S&P 500 وNasdaq Composite وDow Jones Industrial Average، أنهت الجلسة على مكاسب واضحة، بينما تراجع مؤشر التقلب CBOE Volatility Index (VIX) إلى ما دون 18 نقطة، في إشارة إلى انخفاض تكلفة التحوط.
وأوضح سام شقير، في بيان له أن هذا المشهد يعكس حالة “راحة مؤقتة”. فالأسواق تصرفت وفق نمط Risk-on: شراء أسهم، تقليص تحوط، وتجاهل المخاطر الكامنة. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، هناك تحول هيكلي يجري بهدوء أكبر من ضجيج العناوين.
اقرأ أيضاً
سامر شقير: تحركات Nvidia مؤشر مبكر لمستقبل الاقتصاد السعودي
اقتصاد GLP-1: كيف تعيد أدوية إنقاص الوزن تشكيل الأسواق العالمية؟
الحلال كاقتصاد استراتيجي.. السعودية وإعادة تشكيل سلاسل القيمةلماذا يُغيّر نمو الرياضات الإلكترونية البالغة قيمته 4.8 مليار دولار من قواعد اللعبة بالنسبة للمستثمرين والشركات والأسواق العالمية
هواوي تغزو الأسواق العالمية بهاتف رخيص الثمن
أسعار الذهب اليوم الأربعاء.. انخفاض يُخيم على الأسواق العالمية
ارتفاع أسعار النفط بالأسواق العالمية
الأسواق العالمية تشهد ارتفاعات جماعية احتفالا بتنصيب بايدن
وأشار رائد الاستثمار إلى أن هذا التحول يتمثل في الانتقال من الحديث عن رسوم جمركية “مؤقتة” بنسبة 10% إلى تعرفة متدرجة قد تصل إلى 15% أو أكثر لبعض الدول والقطاعات. هذا المفهوم، المعروف بـTiered Tariffs، لا يعني مجرد رفع نسبة الرسوم، بل يعني إدخال عنصر الانتقائية الجيوسياسية في صلب معادلة التجارة. لم يعد السؤال: كم تبلغ الرسوم؟ بل: على من ستُفرض؟ وفي أي قطاع؟ ولمدة كم؟
الرسوم الجمركية أداة تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
وقال "شقير" إن تجربة 2018–2019 أثبتت أن الرسوم الجمركية ليست حدثًا عابرًا في دورة الأخبار، بل أداة تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وفي تلك الفترة، تحركت خطوط الإنتاج، وأُعيد توزيع المصانع، وتغيرت خرائط اللوجستيات، واليوم، ومع تصاعد فكرة التعرفة المتدرجة، نحن أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لا يقتصر التأثير على التصنيع، بل يمتد إلى تدفقات رأس المال نفسها.
وأضاف أن انخفاض VIX لا يعني اختفاء المخاطر، بل قد يعكس تأجيل تسعيرها.
فالمؤشرات العامة قد تبقى هادئة، بينما تتسع فجوة الأداء بين الشركات بحسب درجة تعرضها الجغرافي والقطاعي، بمعنى آخر، قد ينخفض تقلب المؤشر، لكن يرتفع تقلب الأسهم الفردية، وهذا ما نسميه “التشتت العالي” (High Dispersion)، وهو بيئة خصبة لإعادة التموضع الاستثماري.
ولفت شقير في بيانه إلى أن قطاع التكنولوجيا كان محرك الارتداد والرسالة التي بعثتها نتائج NVIDIA هي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قصة مستقبلية، بل بات يترجم إلى أرباح وتدفقات نقدية لكن حتى هذا الزخم لا يعزل القطاع عن مخاطر البيئة التنظيمية والتجارية فالتكنولوجيا اليوم في قلب التنافس الاستراتيجي العالمي، وأي تعرفة انتقائية قد تعيد رسم خريطة الموردين والعملاء.
وبين رائد الاستثمار سامر شقير، أنه في قطاع البنوك، ساهم تراجع التقلب في دعم شهية المخاطرة، إذ تنخفض تكلفة التحوط وتتحسن إدارة الميزانيات أما في الطاقة، فيبقى النفط محكومًا بعامل جيوسياسي دائم، ما يضيف “قسط مخاطرة” ضمن السعر، خصوصًا في ظل توترات إقليمية ومفاوضات حساسة.
وفي المعادن، يواصل النحاس الاستفادة من دورة الإنفاق الرأسمالي المرتبطة بالبنية التحتية ومراكز البيانات، بينما يحافظ الذهب على جاذبيته كتحوط استراتيجي طويل الأجل رغم هدوء التقلب اللحظي.
وأكد أن لبّ الصورة كان لا يكمن في ارتفاع المؤشرات، بل في طبيعة التغيير في قواعد اللعبة عندما تصبح الرسوم أداة سياسية انتقائية، فإن رأس المال يبدأ بالبحث عن بيئات تقل فيها “ضريبة المفاجآت”. المستثمر العالمي لا يطلب عوائد مرتفعة فقط؛ بل يطلب وضوحًا في القواعد واستقرارًا في الأطر التنظيمية.
ونوه إلى أنه من هنا تبرز أهمية المنطقة الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ضمن إطار رؤية 2030. فعندما تعاد صياغة خرائط التجارة، تصبح المناطق التي توفر مزيجًا من الطاقة، والبنية التحتية، والتمويل، ووضوح السياسات، مرشحة لالتقاط جزء من إعادة التموضع العالمي.
استفادة السوق السعودي
وقال إن السوق السعودي، ممثلًا في Tadawul All Share Index (TASI)، قد يستفيد من هذا التحول إذا استمر في تقديم نمو حقيقي قائم على المشاريع والإنفاق الرأسمالي وتنويع القطاعات، لا فقط على توسع المضاعفات السعرية.
كذلك، فإن السندات السيادية الخليجية قد تصبح وجهة مفضلة في بيئة تتسم بمخاطر سياسية عالمية مرتفعة، طالما بقيت هذه المخاطر في إطار العناوين ولم تتحول إلى أزمة ائتمان.
أما على صعيد العملات، فإن تحركات الين الياباني تعكس بدورها حساسية التمويل العالمي، فاليابان لاعب رئيسي في تدفقات رأس المال، وأي تغير في سياستها النقدية أو في استقلالية بنكها المركزي قد ينعكس على أسواق السندات والعملات عالميًا.
الخلاصة: المستثمر الواعي لابد أن يقرأ ما وراء الأرقام
واختتم سام شقير بيانه بالقول إن "الخلاصة التي أود التأكيد عليها هي أن هدوء المؤشرات لا ينبغي أن يُقرأ كإلغاء للمخاطر، بل كفترة انتقالية قبل إعادة تسعير أعمق. إذا كانت مرحلة 2018–2019 قد أعادت توزيع التصنيع العالمي، فإن 2026 قد تعيد توزيع التدفقات الرأسمالية نفسها.
وهذه لحظة استراتيجية، لا تكتيكية"، مضيفا أن "السوق اليوم يشتري الوقت أما المستثمر الواعي، فعليه أن يقرأ ما وراء الأرقام: القواعد تتغير، والتدفقات ستتغير تبعًا لذلك ومن يفهم اتجاه البوصلة مبكرًا، يستطيع أن يتموضع قبل أن تعكسه الشاشات بالألوان الخضراء أو الحمراء".














