سامر شقير يكتب: بين مراكز البيانات ومراكز القرار.. هل تتحوَّل القدرة الفكرية إلى ”أصل استراتيجي”؟
قدَّم سامر شقير، رائد الاستثمار والاستراتيجي الاقتصادي، مقالًا تحليليًّا أجاب فيه بصورة وافية عن سؤال محوري في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تتحوَّل القدرة الفكرية إلى أصل استراتيجي تتمركز قيمته داخل مراكز البيانات؟.. وجاء نص المقال كالتالي:
في واحدة من أكثر اللحظات صراحة في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، أطلق الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه آي سام ألتمان، رسالة لم تكن تقنية بقدر ما كانت جيوسياسية، مفادها أن القدرة الفكرية للعالم قد تصبح متركِّزة داخل مراكز البيانات لا خارجها، لم تكن عبارة عابرة، بل إعلان عن تحوُّل عميق في تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين.
ألتمان: من قيادة تقنية إلى تأثير استراتيجي
لا يُنظر إلى ألتمان بوصفه رئيسًا تنفيذيًّا فحسب، بل كأحد أبرز العقول التي قادت التحوُّل من الذكاء الاصطناعي التجريبي إلى الذكاء الاصطناعي التطبيقي واسع النطاق عبر قيادته OpenAI، فقد قاد الشركة إلى شراكات استراتيجية بمليارات الدولارات، وأسهم في إدخال النماذج الذكية إلى قلب الاقتصاد الحقيقي، وأعاد صياغة العلاقة بين الحوسبة وصناعة القرار والسيادة التقنية.
اقرأ أيضاً
سامر شقير: الذهب مؤشر الثقة النهائي للنظام المالي العالمي
الاقتصاد القياسي.. كيف تحول الكلام عن الاقتصاد إلي صناعة قرار بمليارات
الذكاء الاصطناعي في السعودية: لماذا أراه البنية التحتية الجديدة للثروة حتى 2035؟
كيف تقرأ السعودية التَّحوُّل العالمي حتى 2035؟
سامر شقير: لماذا لم يهدأ السوق رغم تراجع المخاطر الجيوسياسية؟
سامر شقير: توقعات الأسواق 2026 إيجابية… لكن التموضع والمفاجآت يحكمان اللعبة
40% روَّاد في الذكاء الاصطناعي.. هل تحوَّلت السعودية من ”مستهلك للتقنية” إلى ”صانعٍ لقواعدها”؟
سامر شقير يكشف بالأرقام: 50% اقتصاد غير نفطي يعيد تشكيل فرص الاستثمار طويل الأمد في السعودية
سامر شقير: رؤية 2030 قلبت موازين الاستثمار في السعودية وجعلت التخارج مؤسسياً
سامر شقير: كيف يوازن بين الجرأة والانضباط لصناعة استثمارات ناجحة في السعودية 2026
كيف تصنع الثقة رأس مال لا يُقهر؟ نصائح سامر شقير لصانعي الصفقات الكبرى
سامر شقير: التحوّل الاستثماري في السعودية يتجاوز النمو الكمي إلى النضج النوعي
وكما قال رجل الأعمال الأمريكي وارن بافيت: "الخطر يأتي من عدم معرفة ما تفعله"، وألتمان يدرك تمامًا ما الذي يتشكَّل أمامه.
حروب بلا دبابات.. صراع الخوارزميات
عندما تحدَّث ألتمان عن "أنواع جديدة من الحروب"، لم يكن يقصد الحروب التقليدية، بل حروب الخوارزميات، والبيانات، ومراكز الحوسبة، والمواهب، إنها حرب على القدرة الفكرية المجمَّعة.
إذا أصبحت منظومات الذكاء الاصطناعي قادرة على إجراء أبحاث أفضل من أفضل علمائنا، أو إدارة شركات بكفاءة تفوق كبار التنفيذيين، فإننا أمام إعادة تعريف للقيمة البشرية ذاتها.
وهنا يحضر قول رائد الأعمال بيتر ثيل: "الاحتكار ليس شرًا… إذا كان احتكارًا للإبداع"، والسؤال الجوهري: مَن سيحتكر الإبداع الحسابي؟
مراكز البيانات.. البنية السيادية الجديدة
حين أشار ألتمان إلى تمركز القدرة الفكرية داخل مراكز البيانات، كان يلمّح إلى حقيقة حساسة: مَن يملك الحوسبة يملك القرار، لم تعد مراكز البيانات مجرد بنية تحتية تقنية، بل تحوَّلت إلى بنية سيادية تُخزَّن فيها المعرفة، وتُدرَّب فيها النماذج، وتُصنع عبرها القرارات، المسألة لم تعد تقنية فقط، بل جيوسياسية بامتياز.
رؤية 2030.. إعادة توزيع مصادر القوة
في هذا السياق، يمكن قراءة رؤية 2030 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفها مشروعًا لإعادة توزيع مصادر القوة داخل المملكة.د، فالرؤية لم تكن اقتصادية فقط، بل استراتيجية أيضًا، عبر استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، وتسريع التحول الرقمي، ودعم الاقتصاد المعرفي، وتمكين الشباب في القطاعات التقنية.
وكما قال راي داليو: "القوى العالمية تتغيَّر عندما تتغير مصادر الإنتاج"، ومصدر الإنتاج الجديد هو الذكاء الاصطناعي.
من التحذير إلى الإنذار الاستثماري
لم يكن خطاب ألتمان بالنسبة لي مجرد تحذير، بل إنذارًا استثماريًّا واضحًا، المرحلة المقبلة لن تكون سباق تطبيقات بقدر ما ستكون سباق بنية تحتية، الاستثمار سيمتد إلى الطاقة، والشبكات، وأشباه الموصلات، وحلول التبريد، والأمن السيبراني.
وكما قال جنسن هوانغ، مؤسس NVIDIA: "الذكاء الاصطناعي هو البنية التحتية الجديدة للكوكب"، نحن لا نستثمر في موجة عابرة، بل في طبقة أساسية من الاقتصاد العالمي.
إعادة تسعير الأصول في عصر الذكاء الاصطناعي
سيعيد الذكاء الاصطناعي تسعير الأصول عالميًّا، الشركات التي تمتلك بنية حوسبة قوية ستحقق تفوقًا تنافسيًّا طويل الأمد، والطاقة النظيفة ستتحول إلى ضرورة استراتيجية، والدول التي تبني مراكز بيانات متقدمة ستجذب رؤوس الأموال والمواهب.
ولن يقتصر التأثير على قطاع التقنية، بل سيمتد إلى العقار الصناعي، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، والتعليم، وكما قال هوارد ماركس: "أكبر الأخطاء تأتي من تجاهل التغيُّر البنيوي"، والتغيُّر البنيوي هنا هو تمركز القدرة الفكرية.
بين الرؤية والسيادة الرقمية
رؤية 2030 لا تسعى فقط إلى تنويع الاقتصاد، بل إلى إعادة تموضع المملكة في الخريطة الرقمية العالمية، وإذا كانت القدرة الفكرية ستتمركز داخل مراكز البيانات، فالسؤال لم يعد: هل نشارك؟ بل: بأي حجم نشارك؟
الاستثمار قراءة للتحوّلات
لم يكن خطاب سام ألتمان تقنيًّا بقدر ما كان استراتيجيًّا وتحويليًّا، المرحلة القادمة تتطلب جرأة استثمارية، وقراءة عميقة لما بين السطور، وفهمًا بأن الحروب المقبلة لن تُخاض بالسلاح، بل بالخوارزمية.
وكما أقول دائمًا، الاستثمار ليس قراءة أرقام، بل قراءة تحوّلات، واليوم، اسم التحوّل هو الذكاء الاصطناعي.. وغدًا سيكون اسمه السيادة الرقمية














