معادلة الـ7%.. لماذا يتفوق ”السيادي السعودي” في سباق النمو المركب؟
في لغة الأسواق المتقدمة، لا تعتبر حركة الصناديق السيادية مجرد خبر مالي عابر أو تحديث لمحفظة استثمارية؛ إنها "بوصلة سيولة" فائقة الدقة، تُحدد بوضوح أين ستُخلق القيمة الحقيقية خلال العقد القادم.
اليوم، ونحن نراقب التحولات الجارية في صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) ومقارنته بالمشهد العالمي، ندرك أننا لا نعيش مجرد مرحلة عادية في السوق الخليجية، بل نشهد عملية "إعادة هندسة" شاملة.
لغة الأرقام.. أين يقف PIF في ميزان القوى؟
إذا وضعنا العواطف جانبًا وقرأنا لغة الأرقام (تقديرات 2024)، سنكتشف حجم الثقل الذي نتحدث عنه، حيث يتصدر "صندوق النرويج" المشهد بحوالي 1.6 تريليون دولار، يليه "ADIA" الإماراتي بنحو تريليون دولار، ثم "PIF" السعودي بـ913 مليار دولار، و"GIC" السنغافوري بأكثر من 800 مليار دولار، لكن المثير للاهتمام ليس فقط حجم الأصول، بل "معدل النمو المركب"، فبينما تحقق هذه الصناديق عوائد تتراوح بين 5.7% و7% تاريخيًّا، استطاع PIF تسجيل متوسط 7.2% منذ عام 2017.
هذا الرقم (7%) ليس مجرد إحصائية، بل هو المُحرك الذي يُحوِّل كل 100 مليار إلى 200 مليار دولار خلال عقد واحد تقريبًا.
نماذج الإدارة.. لماذا يُغرِّد PIF خارج السرب؟
بينما يعمل صندوق النرويج كـ"محفظة مالية بحتة" تلاحق الأسهم والسندات العالمية، وتعمل "تيماسيك" السنغافورية كمالك للشركات، و"ADIA" كمستثمر محافظ، يبرز نموذج PIF بفرادة خاصة، هو ليس مجرد صندوق عوائد، بل هو:
صندوق تحوُّل اقتصادي وطني.
صندوق ملكية استراتيجية.
صانع لقطاعات جديدة كليًّا في الاقتصاد المحلي.
الانعطافة الكبرى.. تخفيض الانكشاف الأمريكي
شهد الربع الأول من عام 2024 تحولًا دراماتيكيًّا؛ حيث انخفضت الحيازات الأمريكية المبلَّغ عنها للصندوق من 35 مليار دولار إلى 18 مليار دولار تقريبًا،
هذا التخفيض بنسبة 50% يحمل رسالة واضحة: تقليل الانكشاف المباشر على الأسهم الأمريكية مقابل إعادة توجيه السيولة نحو المشاريع الاستراتيجية والداخل السعودي.
ماذا يعني هذا التَّحوُّل لسوق الخليج (GCC)؟
تاريخيًّا، كانت السوق الخليجية "تابعةً" لأسعار النفط ومزاج الأسواق الأمريكية (S&P 500)، اليوم، تنكسر هذه التبعية بفضل توجيه السيولة داخليًّا، مما يؤدي إلى ثلاث نتائج جوهرية:
تعميق السوق المحلية: زيادة الملكية المؤسسية ترفع عمق السوق وتخفض التقلبات الحادة، وهو المسار الذي سلكته سنغافورة سابقًا وتكرره السعودية اليوم.
من "التوزيعات" إلى "النمو": ننتقل حاليًا من استثمار الـBeta (التعرض العام للسوق) إلى الـ Strategic Alpha (خلق قيمة في قطاعات ناشئة)، نحن نتحدث عن التعدين، والسياحة، والطاقة المتجددة، والتقنية.. قطاعات تحوِّل السوق الخليجية إلى "سوق نمو".
استقلالية القرار: كلما قلَّ الاعتماد على الأسهم الأمريكية، أصبح أداء أسواقنا أقل ارتباطًا بدورات "الفيدرالي" وقراراته، وهذا تحوُّل استراتيجي من الطراز الأول.
هل هي "سيطرة"؟
إذا كان المقصود بالسيطرة هو بناء كيانات استراتيجية، ونقل حصص ضخمة (مثل أرامكو) لتعزيز الملاءة، وتمويل مشاريع عملاقة لا يمكن لغيره القيام بها؛ فالجواب هو نعم، لكنها سيطرة تهدف لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد لا احتكاره.
الخلاصة للمستثمر
إنَّ القراءة الصحيحة للمرحلة تتطلب البحث عن "مسار السيولة السيادية" وقطاعات "سلاسل القيمة الجديدة"، نحن لا نمر بدورة قصيرة المدى، بل نحن أمام إعادة تشكيل لعقد كامل من الزمن.
السؤال الذي يجب أن يشغل بالك الآن كمستثمر ليس: "هل سترتفع السوق هذا الشهر؟"، بل: "أي قطاع سيُصبح العمود الفقري لعوائد الصناديق السيادية خلال العشر سنوات المقبلة؟".















