الاقتصاد القياسي: كيف تحوَّل الكلام عن الاقتصاد إلى صناعة قرار بمليارات؟
في عالم تتحرك فيه المليارات بضغطة زر، لم يعد الحديث عن الاقتصاد مجرد توقعات عامة أو تحليلات في نشرات الأخبار.
اليوم، الاقتصاد أصبح معادلات ونماذج رياضية، والقرار المالي صار هندسة احتمالات دقيقة، والاسم الذي يقف خلف هذا التحوّل هو الاقتصاد القياسي (Econometrics).
من الحدس إلى النموذج: التحوّل التاريخي للاقتصاد القياسي
الاقتصاد القياسي نشأ في أوائل القرن العشرين، مع الاقتصادي النرويجي Ragnar Frisch الحائز على جائزة نوبل، الذي أسس فكرة توصيف الاقتصاد إحصائيًا بدل الاكتفاء بالتحليل النظري.
لاحقًا، طور Jan Tinbergen نماذج اقتصادية تعتمد على عشرات المعادلات لقياس استجابة الاقتصاد للسياسات، مع إدخال مفهوم التأخيرات الزمنية (Leads & Lags)، ما مكّن صانعي القرار من فهم “متى ولماذا” تحدث التغيرات الاقتصادية.
الاقتصاد القياسي ولغة البنوك المركزية
النماذج الاقتصادية اليوم ليست للتقدير النظري فقط، بل هي أداة يومية في المؤسسات النقدية الكبرى مثل:
-
Federal Reserve (الولايات المتحدة)
-
European Central Bank (الاتحاد الأوروبي)
يتم استخدام نماذج DSGE (Dynamic Stochastic General Equilibrium) لتحليل:
-
التوازن العام في الاقتصاد
-
أثر الصدمات والسياسات المالية
-
التوقعات المتعلقة بالتضخم (CPI) والنمو الاقتصادي (GDP)
كل قرار بزيادة أو خفض أسعار الفائدة يُختبر مسبقًا في “مختبر رياضي”، مع سيناريوهات متعددة مثل تأثير أسعار النفط أو بطء الائتمان أو تغير توقعات التضخم.
الاستثمار الحديث: من “قصة” إلى توزيع احتمالات
في عالم الاستثمار الكمي، يُمثل Jim Simons مدرسة واضحة:
-
القرار ليس تنبؤًا لمستقبل واحد
-
بل رهان محسوب على توزيع احتمالات
الأخبار تتحول إلى بيانات، والبيانات إلى نماذج، والنماذج إلى قرار بحجم مركز محدد وإدارة مخاطر دقيقة.
ليس السؤال: هل سيرتفع هذا القطاع؟ بل:
-
ما حساسيته للفائدة؟
-
ما علاقته بدورة السيولة؟
-
ما الخسارة القصوى المحتملة إذا أخطأ السيناريو الأساسي؟
أدوات الاقتصاد القياسي الأساسية
-
الانحدار (Regression):
لقياس العلاقة بين متغيرين أو أكثر، مثل الفائدة والأسهم أو النفط والنمو. تساعد على فهم حساسية القطاعات المختلفة للتغيرات الاقتصادية. -
تحليل السلاسل الزمنية (Time Series Analysis):
تدرس الدورات الاقتصادية وانتقال الأثر بين المتغيرات عبر الزمن، لتحديد موقع الاقتصاد داخل الدورة بدقة. -
التنبؤ (Forecasting):
تقدير احتمالي للنواتج مع نطاق خطأ محسوب، لتحسين القرارات الاستثمارية وتقليل المفاجآت.
لماذا الاقتصاد القياسي أصبح شرطًا للبقاء؟
-
السوق أصبحت “نموذجية”، حيث أنظمة التداول الخوارزمية تهيمن على السيولة العالمية.
-
السرعة والقراءة المنهجية أصبحت أهم من الحدس الفردي.
-
الاقتصاد القياسي لم يعد ميزة إضافية، بل أداة للبقاء والنجاح في الأسواق العالمية.
صناعة القرار المالي: من الرأي إلى المعادلة
مثال على صندوق سيادي يدرس زيادة التعرّض لقطاع معين:
-
القرار لا يُبنى على “رأي” بل على اختبارات محددة:
-
استجابة تاريخية للتغيرات الاقتصادية
-
موقع القطاع في الدورة الاقتصادية
-
العائد المتوقع في سيناريوهات متفائل/أساسي/متشائم
-
الحد الأقصى للخسارة المقبولة
-
النتيجة: حجم مركز محدد، حدود مخاطر واضحة، مؤشرات متابعة دورية.
الخلاصة: الاقتصاد القياسي وإعادة تعريف المخاطر
-
لم يُلغِ الاقتصاد القياسي عدم اليقين، لكنه أعاد تعريفه علميًا.
-
بدل الغموض أصبح هناك احتمالات محسوبة، وبدل الحدس نموذج، وبدل القفز في المجهول محاكاة مسبقة للمخاطر.
-
في عالم تتحرك فيه المليارات بضغطة زر، الاقتصاد القياسي أصبح البنية التحتية لصناعة القرار المالي الحديث.















