عربة ”منة” بميدان رمسيس.. فول بطعم ”الجدعنة”
لم تتوقف هذه الفتاة ذات الـ18عاما كثيرا أمام ما تتعرض له من مضايقات يومية، وكيف ينظر لها المارة في الشارع وبالتحديد في ميدان رمسيس، فحلمها يبدو أكبر من تلك العقبات الصغيرة التي لم تسمح لها بأن تعطلها عن استكمال مشروعها الذي بات يمثل لها معنى النجاح.. حتي لو كان ذلك النجاح هو عربة فول في قلب ميدان رمسيس.
اسمها منة سيد، ملامحها البسيطة تشبه آلاف الفتيات في مثل عمرها، لكنها بدلا من أن تركز اهتماماتها على متابعة أخبار الفنانين والموضة، أو تستنزف طاقتها ووقتها على صفحات السوشيال ميديا، قررت أن تخوض معترك الحياة وتستكمل عمل والدها وتعمل على "عربية الفول" التي استمر يعمل عليها لمدة 40 سنة في ميدان رمسيس.
قرار "منة" لم يستغرق منها وقتا طويلا بعدما أصيب والدها في حادث جعله غير قادر على العمل مرة أخرى، ولم يكن معاش الجد يكفي لتلبية احتياجات الأسرة الكبيرة والتي باتت محرومة في يوم وليلة من رعاية الأب، فقررت "منة" أن تكون بمائة رجل وأن تنزل إلى الميدان لتقف مكان والدها وتشعر أسرتها أن شيئا لم يتغير، وكذلك لتحافظ على وجود "عربة عم سيد" في الميدان الذي تعود الناس على التردد عليها يوميا لتناول الإفطار.
بعد فترة وجيزة توفي الأب، وكأنه اختار الرحيل بعدما اطمأن على مستقبل أسرته ورعاية ابنته لهم، والتي صارت منة تعولهم بالكامل، وهي أسرة مكونة من الأم وبنتين وولدين أصغر منهما.
وسرعان ما انضمت إليها أختها الأصغر منها "فاطمة" للعمل معها على عربة الفول حتى تتمكن الشقيقتان من التوفيق بين عملهما لجلب الزرق ورعاية أسرتهما، وبين استكمال دراستهما، حيث تدرس منة بالصف الثاني الثانوي.
مع صلاة الفجر، يبدأ يوم منة، تتحرك من شبرا الخيمة حيث تقيم مع أسرتها إلى ميدان رمسيس وتحديدا أمام محطة القطار، حيث تصل قدرة الفول جاهزة من المستوقد والطعمية السخنة من المطعم، وهكذا تكون العربية جاهزة لاستقبال مئات الزبائن يوميا.
حياة "منة" لا تبدو سهلة، فرغم الدعم والمساندة التي تتلقاها من كثيرين يقدرون شهامتها وجرأتها في الوقوف مكان والدها لترعى أسرتها وتوفر لهم حياة كريمة، إلا أن الأمر لا يخلو أيضا من مضايقات، ففتاة في سنها تتعرض لتجاوزات من بعض المارة وأيضا من موظفي البلدية ولكنها تعودت التعامل مع كل الظروف بصلابة وقوة، طالما أن هدفها الأهم يتحقق وهو استقرار أسرتها.
وتقول منة التي منحتها حياتها الخشنة الكثير من ملامح القوة واكتسى وجهها بالكثير من الجدية "بتعامل كأني راجل مع الناس ومفيش هزار وضحك مع الناس عشان يحترموني، وانا مبحبش الشغل برة ولا اشتغل عند حد، أنا بحب ابقى حرة نفسي ومحطش دراعي تحت ضرس حد".
تتحرك "منة" صغيرة السن والحجم كالنحلة، تلبي طلبات زبائن عربة الفول، وأخيرا وبعد عناء تنتهي ساعات العمل عقب صلاة الظهر، ثم تصف العربة بالجراج لتعود للبيت لتتناول الغداء مع والدتها وإخوتها ثم تتفرغ لمذاكرتها ودروسها الخصوصية، قبل أن تنام مبكرا لتستقبل يوم آخر من "الشقا" ولتتكرر هذه الجولة يوميا، بلا كلل أو ملل.










