ليست ميزانية بل لحظة تموضع تاريخية.. سامر شقير يُحلل المشهد الاقتصادي العالمي
ارتفاع النفقات الرأسمالية بنسبة 18% في ربع واحد، واستحواذ الصحة والتعليم على نحو ثُلث الميزانية، وتضاعف تسهيلات الأسهم منذ عام 2019، لا تعكس مجرد أرقام محاسبية، هذه مؤشرات على لحظة تاريخية لدولة تُعيد تحديد موقعها في النظام الاقتصادي العالمي، وذلك بحسب ما ذكره سامر شقير، رائد الاستثمار، في مقال له.
السعودية 2025.. من التخصيص إلى البناء الاستراتيجي
أرقام الربع الرابع من عام 2025 توضِّح حجم التَّحوُّل، ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بنسبة 18% ليصل إلى نحو 51 مليار ريال، وهو الأعلى خلال خمسة أرباع.
رواتب القطاع العام بلغت 574 مليار ريال، أي ما يُعادل 41% من المصروفات.
الصحة والتعليم يُشكلان نحو 30% من الميزانية، بواقع 15% لكل منهما.
تسهيلات الأسهم بلغت 26.7 مليار ريال، مع استخدام 80% منها، وتضاعف عدد المتعاملين منذ عام 2019.
هذه المؤشرات المتزامنة تُشير إلى أنَّ الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة إعادة تسعير داخلي واستعداد خارجي.
دروس من التجارب العالمية
الولايات المتحدة (1945–1965):
بعد الحرب العالمية الثانية، رفعت الولايات المتحدة الإنفاق على البنية التحتية، والتعليم، والصناعات الثقيلة، مما أدى إلى أقوى دورة نمو صناعي في القرن العشرين.
اليابان (1955–1985):
ركَّزت على التصنيع، والتعليم التقني، ودعم الشركات الوطنية، لتحقق تحولًا من اقتصاد مدمر إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي خلال ثلاثين عامًا.
كوريا الجنوبية (1980–2005):
استثمرت بشكل مكثف في التعليم الهندسي، ودعم الصناعات التصديرية، وتمويل منظم للشركات الكبرى، ما أدى إلى ولادة شركات كبرى مثل سامسونج وهيونداي وإل جي كقوى صناعية عالمية.
الصين (2000–2020):
نفذت إنفاقًا رأسماليًّا ضخمًا على البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي، لتصبح أكبر قاعدة صناعية في العالم.
خصوصية التجربة السعودية
السعودية لا تقلد النماذج السابقة، بل تمزج بينها بطريقة استراتيجية:
استثمار رأسمالي مشاريع رئيسية تشمل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، والتَّحوُّل الرقمي، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
استثمار في الإنسان حوالي 30% من الميزانية مخصصة للصحة والتعليم، وهو مستوى مشابه لما فعلته كوريا قبل قفزتها الصناعية.
تنشيط الأسواق المالية تسهيلات الأسهم تنمو للعام التاسع على التوالي، مع توسع ثقافة الاستثمار، وتعميق السوق، وزيادة السيولة المحلية.
السياق العالمي
الدين العالمي يتجاوز 340 تريليون دولار، وأسعار الفائدة في مرحلة إعادة تسعير، وسلاسل الإمداد تُعاد هيكلتها، والذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف الإنتاجية.
الدول اليوم تنقسم إلى ثلاث فئات: دول تستهلك، ودول تستثمر، ودول تُعيد تموضعها كمراكز إقليمية، السعودية اختارت الفئة الثالثة.
تقييم رواتب القطاع العام
النسبة العالية للرواتب قد تبدو عبئًا في الاقتصادات المستقرة، لكن في اقتصاد يمر بمرحلة تحوُّل، الرواتب توفر استقرارًا اجتماعيًّا، وهو ما يعزز الثقة الاستثمارية ويحفز تدفق رأس المال.
التجارب التاريخية، مثل ألمانيا بعد الحرب، والولايات المتحدة بعد أزمة 2008، تؤكد أنَّ المعيار الحقيقي هو العائد الإنتاجي طويل الأجل، وليس النسبة نفسها.
الأسواق المالية بين الفرصة والتحذير
التوسع في الهامش المالي عادة ما يسبق نموًا أو تصحيحًا، كما ظهر في أزمات 1929 و2008 و2021.
لكن السوق السعودية تتميز بإصلاحات تنظيمية، وعمق متزايد، ودخول مستثمرين أجانب، وارتباط وثيق بالمشاريع الفعلية، مما يجعل دورة النمو أكثر استقرارًا مقارنةً بالعديد من الأسواق الناشئة.
السعودية كـ"رائدة"
السعودية تنفذ تحولًا اقتصاديًّا شاملًا بسرعة قياسية، تمول مشاريعها من موارد سيادية قوية، وتستثمر في الإنسان والبنية التحتية بالتوازي، وتعمق سوقها المالية وتفتح أبوابها عالميًّا، وتتحرك وفق رؤية واضحة حتى عام 2030.
في الوقت الذي تواجه فيه بعض الاقتصادات تحديات مثل شيخوخة السكان، والديون المتضخمة، وتباطؤ الإنتاجية، تتجه السعودية نحو توسع استراتيجي.
الخلاصة
الدول التي سلكت هذا الطريق – الولايات المتحدة، واليابان، وكوريا، والصين – بدأت بالإنفاق، ثم التعليم، ثم التصنيع، ثم الهيمنة، السعودية اليوم في مرحلة التمكين، ليست المسألة في حجم الإنفاق، بل في كيفية بناء المستقبل.















